اسماعيل بن محمد القونوي

264

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

هو أن هذه الآية أيضا عامة لغير المنافقين بدلالة النص فلا يضره كون المشار إليه بأولئك المنافقين ( وتوضيحا لما تضمنته الآية الأولى ) . قوله : ( ويدخل تحت عمومه هؤلاء المنافقون ) أي دخولا أوليا لوروده في شأنهم إذ عموم اللفظ مخصوص بهم وعموم الحكم وهو المراد هنا يدخل فيه المنافقون دخولا أوليا لما عرفت ومن سواهم ممن شاركوهم في الوصف والحال ثانيا ( فإنهم أضاعوا ما نطقت به ألسنتهم من الحق ) والنطق بالحق وإن خالفه القلب حصول الهدى في الجملة لدلالته على الإيمان والتصديق لكون الإقرار علامة عليه وبهذا الاعتبار سمي إيمانا في مثل قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا [ البقرة : 62 ] الآية وإن كان ذلك النطق خداعا واستهزاء في نفس الأمر مباينا لحصول الهدى ولهذا قال فيما مر وهم أخبث الكفرة لأنهم موهوا الكفر وخلطوا به خداعا واستهزاء فعد إقرارهم من أسباب كونهم من أخبث الكفرة فكيف يكون ذلك الإقرار حصول الهدى في الجملة لكن الأمور تختلف حسنا وقبحا باختلاف الاعتبارات واستوضح ذلك بلطم اليتيم فإنه حسن باعتبار التأديب قبيح باعتبار الإيذاء وفي الكشاف إشارة إلى ما ذكرنا حيث قال فإن قلت وأين الإضاءة في حال المنافق وهل هو أبدا إلا حائر خابط في ظلماء الكفر قلت المراد ما استضاؤوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم « 1 » ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمي بهم إلى ظلمة سخط اللّه تعالى وظلمة العقاب السرمدي انتهى . أشار بقوله بنور هذه الكلمة إلى حصول الهداية لهم في الجملة بالمعنى الذي ذكرناه ومن ههنا جعل المصنف المنافقين في زمرة من آتاه اللّه تعالى قوله : وفي الآية تفسير آخر معطوف على أول الكلام وهو قوله جاء بحقيقة صفتهم عقبها بضرب المثل هذا هو التفسير الأول إلى آخر ما ذكره من قوله : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ [ البقرة : 18 ] كأنه قال أو يقول في تفسير قوله : مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ [ البقرة : 17 ] الآية أنهم لما وصفوا بأنهم اشتروا الضلالة بالهدى الخ وأما جمع الظلمات على تقدير أن ضمير تركهم للمنافقين فواضح ظلمة السخط وظلمة العذاب وجميع ما ذكر في الوجود المقدمة وعلى تقدير أنه للمستوقد يحتاج إلى اعتبار تراكمها يعني ظلمة بعد ظلمة للمبالغة أو يراد الحيرة والحرمان عما قصد من إيقاد النار .

--> ( 1 ) وتلخيص ما ذكره صاحب الكشاف أنه اعتبر في المستوقد السعي في ايقاد النار والكدح في إحيائها وحصول طرف من الاضاء المطلوبة وزوالها بانطفاء النار بغتة كما يدل عليه كلمة الفاء في فَلَمَّا أَضاءَتْ [ البقرة : 17 ] وحرمانه مما يتوصل إليه بالايقاد وبقائه في ظلمات متراكمة بحيث لا يبصر ولا يتأتى منه الرؤية أصلا فضلا عن الرؤية الطريق المطلوب واعتبر في المنافق وفي جانب المشبه القصد إلى ادعاء حدوث الإيمان وإجراء الكلمة على اللسان الذي هو كالنور وحصول منافع الأمن والأمان والخلاص عن ذل الخراج والجزية والخسران وانتفاء ذلك بالموت دفعة ووقوعه في ظلمات متراكمة فلوحظ في كل واحد من الجانبين هيئة وحدانية ملتئمة من تلك الأمور المتعددة فالتشبيه مركب وهو الذي اختاره الشريف قدس سره حيث قال إنه إشارة إلى تركيب وجه الشبه انتهى وجه الشبه أنهم عقيب حصول قوة الرجاء في الوصول إلى المطلوب وقعوا في حيرة الحرمان والخيبة .